فخر الدين الرازي
524
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تعصينني في معروف ، فقالت : واللَّه ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصينك في شيء » وقوله : وَلا يَسْرِقْنَ يتضمن النهي عن الخيانة في الأموال والنقصان من العبادة ، فإن يقال : أسرق من السارق من سرق من صلاته : وَلا يَزْنِينَ يحتمل حقيقة الزنا ودواعيه أيضا على ما قال صلى اللَّه عليه وسلم : « اليدان تزنيان ، والعينان تزنيان ، والرجلان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه » وقوله : وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ أراد وأد البنات الذي كان يفعله أهل والجاهلية ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد وغيره ، وقوله : وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ نهى عن النميمة أي لا تنم إحداهن على صاحبها فيورث القطيعة ، ويحتمل أن يكون نهيا عن إلحاق الولد بأزواجهن . قال ابن عباس : لا تلحق بزوجها ولدا ليس منه ، قال الفراء : كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها : هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن وذلك أن الولد إذا رضعته الأم سقط بين يديها ورجليها ، وليس المعنى نهيهن عن الزنا ، لأن النهي عن الزنا قد تقدم ، وقوله : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ أي كل أمر وافق طاعة اللَّه ، وقيل : في أمر بر وتقوى ، وقيل في كل أمر فيه رشد ، أي ولا يعصينك في جميع أمرك ، وقال ابن المسيب والكلبي وعبد الرحمن بن زيد : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ أي مما تأمرهن به وتنهاهن عنه ، كالنوح وتمزيق الثياب ، وجز الشعر ونتفه ، وشق الجيب ، وخمش الوجه ، ولا تحدث الرجال إلا إذا كان ذا رحم محرم ، ولا تخلو برجل غير محرم ، ولا تسافر إلا مع ذي رحم محرم ، ومنهم من خص هذا المعروف بالنوح ، وعن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، قال : « أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستقاء بالنجوم ، والنياحة » و قال : « النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة عليها سربال من قطران ودرع من جرب » و قال صلى اللَّه عليه وسلم : « ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية » وقوله : فَبايِعْهُنَّ جواب إِذا ، أي إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن ، واختلفوا في كيفية المبايعة ، فقالوا : كان يبايعهن وبين يده وأيديهن ثوب ، وقيل : كان يشترط عليهن البيعة وعمر يصافحهن ، قاله الكلبي ، وقيل : بالكلام ، وقيل : دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ، ثم غمس أيديهن فيه ، وما مست يد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يد امرأة قط ، وفي الآية مباحث : البحث الأول : قال تعالى : إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ ولم يقل : فامتحنوهن ، كما قال في المهاجرات والجواب : من وجهين أحدهما : أن الامتحان حاصل بقوله تعالى : عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ إلى آخرة وثانيهما : أن المهاجرات يأتين من دار الحرب فلا اطلاع لهن على الشرائع ، فلا بد من الامتحان ، وأما المؤمنات فهن في دار الإسلام وعلمن الشرائع فلا حاجة إلى الامتحان . الثاني : ما الفائدة في قوله تعالى : بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وما وجهه ؟ نقول : من قال المرأة إذا التقطت ولدا ، فإنما التقطت بيدها ، ومشت إلى أخذه برجلها ، فإذا أضافته إلى زواجها فقد أتت / ببهتان تفترينه بين يديها ورجليها ، وقيل : يفترينه على أنفسهن ، حيث يقلن : هذا ولدنا وليس كذلك ، إذ الولد ولد الزنا ، وقيل : الولد إذا وضعته أمه سقط بين يديها ورجليها . الثالث : ما وجه الترتيب في الأشياء المذكورة وتقديم البعض منها على البعض في الآية ؟ نقول : قدم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح ، ثم كذلك إلى آخره ، وقيل : قدم من الأشياء المذكورة ما هو الأظهر فيما بينهم . ثم قال تعالى :